ابن بسام
16
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وسبوغ العلم والركانة « 1 » ، مع الدّهاء وبعد النظر وإصابة القرطسة . فأما ذو الوزارتين أبو القاسم ابنه فأدرك متمهّلا ، وسما بعد إلى بلوغ الغاية فخلّط ما شاء وركب الجرائم « 2 » الصّعبة ، وكان القاسم بن حمّود قد اصطنعه بعد مهلك أبيه إسماعيل ، وردّ عليه ميراثه من قضاء بلده بعد بعده عنه مدّة ، [ 2 ب ] وحصل منه بمنزلة الثقة ، فخانه تخوّن « 3 » الأيّام عند إدبارها عنه ، إيثارا للحزم وطلبا للعافية ، فصدّه عن إشبيلية بلده لما قصده من قرطبة مفلولا ؛ وكان الذي وطّد له ذلك نفر من أكابرها المرتسمين بالوزارة ، مناغين في ذلك لوزراء قرطبة ، على تحميلهم لابن عبّاد كبر ذلك ، لإنافته عليهم في الحال وسعة النّعمة ، وإحصائهم عليه ملك ثلث إشبيلية ضيعة وغلّة ، يخادعونه بذلك عن نشبه ، إبقاء منهم على نعمهم ، وهو يشتري بذلك أنفسهم ولا يشعرون ، إلى أن وقعوا في الهوّة ، وكانوا جماعة منهم بنو أبي بكر الزبيدي النحوي وبنو يريم « 4 » صنائع ابن عباد وغيرهم ، راض بهم الأمور واستمال العامة ، فلمّا توطّأت « 5 » له قبض أيدي أصحابه هؤلاء ، وسما بنفسه فأسقط جماعتهم ، / وجرت له في تدبيرهم أمور يشق إحصاؤها ، ركب فيها أحزم طرق طلّاب الدول ، حتى انفرد بسابقته ومهّد لدولته ، واجتمع « 6 » أهل عمله على طاعته ، فدانوا له ، وسلك سيرة أصحاب الممالك بالأندلس « 7 » لأول وقته ، وقام بأصحّ عزم وأيقظ جدّ ، واخترع في الرئاسة وجوها تقدّم فيها كثيرا منهم ، وامتثل رسم ابن يعيش « 8 » صاحب طليطلة من بينهم في تمسّكه بخطّة القضاء وارتسامه باسمه ؛ وأفعاله على ذلك أفعال الجبابرة ، وأقبل لأوّل وقته يضمّ الرجال
--> ( 1 ) د والحلة : والزكانة . ( 2 ) هذه هي قراءة م ؛ والجرثومة : أصل الشجرة ، وقد يفهم من ذلك أنه تجشم صعاب الأمور . وفي ط د والحلة : الجرائم ؛ س ك : الجراثيم . ( 3 ) ط د س : بخون ؛ ك : بحقوق . ( 4 ) ط س ك : بريم ؛ م : ابريم ؛ د : ابرم ، البيان : مريم . ( 5 ) ط م د : توطدت ( وهي قراءة جيدة أيضا ) ؛ س : اتواطأت ؛ ك : تواطأت . ( 6 ) ط د م س ك : واجمع . ( 7 ) الحلة ودوزي : الذين بالأندلس . ( 8 ) هو يعيش بن محمد بن يعيش أحد رؤساء طليطلة عند نشوب الفتنة ، وقد استطاع أول الأمر إبعاد منافسيه من رؤساء المدينة ولكن مدته في الحكم لم تطل ، فأخرجه أهلها ، وخاطبوا إسماعيل بن ذي النون لتسلم البلد ، وقد ترجم له ابن بشكوال ( الصلة : 650 ) وقال إنه بعد خروجه من بلده صار إلى قلعة أيوب وتوفي بها سنة 418 أو أوائل 419 ( انظر : الحلة 2 : 37 - 38 التعليق رقم : 5 ) .